صديق الحسيني القنوجي البخاري
55
فتح البيان في مقاصد القرآن
غير المضعف ، قال : والأولى عندي أن يكون منقطعا ، أي لكن من تاب . قال القرطبي : لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عام في الكافر ، والزاني . واختلفوا في القاتل من المسلمين وقد تقدم بيانه في المائدة . والإشارة بقوله : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ إلى المذكورين سابقا ، ومعنى تبديلها حسنات أنه يمحو عنهم سوابق المعاصي بالتوبة ، ويثبت لهم مكانها لأحق الطاعات . قال النحاس : من أحسن ما قيل في ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع . قال الحسن : قوم يقولون هذا التبديل في الآخرة وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا ، يبدل اللّه لهم إيمانا مكان الشرك ، وإخلاصا مكان الشك ، وإحصانا مكان الفجور ، وقتل المشرك مكان المؤمن . قال الزجاج : ليس يجعل مكان السيئة الحسنة ، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة ، والحسنة مع التوبة ، وقيل إن السيئات تبدل الحسنات ، وبه قال جماعة من الصحابة ، ومن بعدهم . وقيل تبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس ، بملكة الطاعة بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية مكانها . وقيل التبديل عبارة عن الغفران ، أي يغفر اللّه لهم تلك السيئات ، لا أنه يبدلها حسنات . قلت ولا يبعد في كرم اللّه تعالى إذا صحت توبة العبد ، أو يضع مكان كل سيئة حسنة ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم لمعاذ : « وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن » « 1 » وقال ابن عباس : أبدلهم اللّه بالكفر الإسلام ، وبالمعصية الطاعة ، وبالإنكار المعرفة ، وبالجهالة العلم . وعنه قال : هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب اللّه بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات . وأخرج أحمد وهناد والترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي ذر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، فيعرض عليه صغارها ، وينحى عنه كبارها ، فيقال : عملت كذا وكذا وهو يقر ليس ينكر ، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال اعطوه بكل سيئة عملها حسنة » « 2 » والأحاديث في تكفير السيئات وتبديلها بالحسنات كثيرة . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً مقررة لما قبلها من التبديل ، وتكفير السيئات بالحسنات ، أي لم يزل متصفا بذلك . وَمَنْ تابَ عن المعاصي بتركها ، والندم عليها وَعَمِلَ صالِحاً يلاقي به ما فرط فَإِنَّهُ يَتُوبُ يرجع إِلَى اللَّهِ مَتاباً رجوعا صحيحا ، مرضيا ، قويا عند اللّه ،
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في البر باب 55 ، والدارمي في الرقاق باب 47 ، وأحمد في المسند 3 / 5 ، 5 / 153 ، 158 ، 177 ، 228 ، 236 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 314 ، وأحمد في المسند 5 / 157 .